أوروبا تدفع ثمن عقوباتها على روسيا.. من الحزمة 20 إلى ما لا نهاية
حتى قبل أن يجفّ حبر الحزمة الـ20 من العقوبات، أعلنت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن بروكسل تتهيأ لإطلاق الحزمة الـ21 ضد روسيا، في إشارة إلى توجه أوروبي نحو تجاوز ما كان يُوصف بـ”الخطوط الحمراء” التي حالت سابقا دون اعتماد إجراءات أشد، ما يثير تساؤلات حول احتمال أن تنعكس هذه الإجراءات غير المنضبطة سلبا على أوروبا نفسها.
وقالت كالاس إن “مراجعة هذه الخطوط باتت مطروحة بجدية، مع البحث في كل الخيارات المتاحة”، مؤكدة أن القادة الأوروبيين يعملون بوتيرة متسارعة لإقرار حزمة جديدة من العقوبات. ويأتي ذلك بعد مصادقة سفراء الاتحاد مؤخرا على الحزمة العشرين، بالتوازي مع إقرار حزمة تمويل لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو.
تعدّ الحزمة الـ20 من العقوبات الأوروبية ضد روسيا إحدى أوسع موجات الضغط خلال العامين الأخيرين، في سياق يعكس تصاعدا تدريجيا نحو تشديد القيود وإغلاق الثغرات التي كانت تسمح بالالتفاف عليها. وتركز هذه الحزمة على قطاعات استراتيجية حساسة، في مقدمتها الطاقة والخدمات المالية والأصول الرقمية، بهدف تقليص مصادر الدخل الروسية والحد من قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية.
وشملت التدابير حظرا على الغاز الطبيعي المسال، وتقييد حركة أكثر من مئة ناقلة نفط تندرج ضمن ما يُعرف بـ”الأسطول المظلم”، إلى جانب حظر تصدير مواد ذات استخدام مزدوج أو عسكري، بقيمة إجمالية تتجاوز 46.9 مليار دولار. بالتوازي، رافق هذه الإجراءات اعتماد حزمة تمويل ضخمة لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، ما يعكس استمرار الرهان الأوروبي على الأدوات الاقتصادية كأداة مركزية في إدارة الصراع مع موسكو.

الاتحاد الأوروبي أمام معادلة قانونية معقدة
وحذر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، من أن الاتحاد الأوروبي يعيش حالة من التناقض القانوني الخطير بين تشديد العقوبات على روسيا والحفاظ على أمنه الطاقوي، مؤكدا أن هذا الوضع يكشف عن أزمة عميقة في السياسة الأوروبية تجاه الحرب الأوكرانية.
وأوضح الدكتور مهران، في حوار خاص لـ”الأيام نيوز”، أن الاتحاد الأوروبي فشل، في فبراير 2026، في التوصل إلى اتفاق بشأن الحزمة العشرين من العقوبات، بسبب اعتراض المجر وسلوفاكيا، لكنه نجح في الأخير في اعتمادها يوم 23 أفريل 2026، مشيرا إلى أن هذه الحزمة تتضمن حظرا جديدا على تصدير بضائع إلى روسيا بقيمة تتجاوز 365 مليون يورو، إلى جانب حظر استيراد المعادن والمواد الكيميائية بقيمة تفوق 530 مليون يورو.
وبيّن أن الحزمة شملت إضافة 120 قائمة جديدة تتضمن 33 فردا و83 كيانا، مع فرض تجميد أصولهم ومنع سفر الأفراد، موضحا أن الاتحاد الأوروبي أدرج 36 كيانا روسيا في قطاعات التنقيب والإنتاج والتكرير والنقل، كما أدرج 46 سفينة إضافية ضمن “الأسطول المظلم”، ليصل إجمالي السفن المدرجة إلى 632 سفينة.
ولفت الدكتور مهران إلى أن استئناف ضخ النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا إلى المجر وسلوفاكيا، صباح 23 أفريل 2026، كان العامل الحاسم في رفع الفيتو المجري والسلوفاكي، موضحا أن وزيرة الاقتصاد السلوفاكية أعلنت استئناف الضخ في تمام الساعة 02:00 صباحا بعد الانتهاء من إصلاح الأضرار التي لحقت بالخط في 27 جانفي 2026.
كما أضاف أن استئناف الضخ مهّد الطريق فورا لموافقة سفراء الاتحاد الأوروبي على قرض بقيمة 90 مليار يورو لدعم أوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، مشيرا إلى أن هذا يعكس الترابط الوثيق بين أمن الطاقة الأوروبي والموقف السياسي تجاه روسيا.
وحول كيفية الموازنة بين العقوبات وأمن الطاقة، أكد مهران أن القانون الدولي يعطي الدول الحق السيادي في فرض عقوبات اقتصادية أحادية الجانب، لكن بشروط محددة، موضحا أن المادة 54 من مواد المسؤولية الدولية للدول لعام 2001 تجيز للدول اتخاذ تدابير مضادة ضد دولة ارتكبت فعلا غير مشروع دوليا، لكن بشرط التناسب وعدم المساس بالالتزامات الإنسانية الأساسية.
ونوه مهران إلى أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة قانونية حقيقية: من جهة، يسعى لمعاقبة روسيا على عدوانها على أوكرانيا، بموجب المادة 2 فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى، يجد نفسه مضطرا للاعتماد على النفط والغاز الروسي لتأمين احتياجات دوله الأعضاء.
ولفت مهران إلى أن خط أنابيب دروجبا ينقل ما بين 1,2 إلى 1,4 مليون برميل يوميا، مؤكدا أن هذه الكميات الضخمة تجعل من المستحيل عمليا على المجر وسلوفاكيا والتشيك الاستغناء عنها بين عشية وضحاها، ومشيرا إلى أن هذا الواقع يفرض قيودا قانونية وعملية على مدى التشديد في العقوبات.
تحولات أوربان وتبدّل موازين الموقف الأوروبي
وبشأن دلالات تغيّر موقف المجر وسلوفاكيا، أوضح أستاذ القانون الدولي أن هزيمة رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، في الانتخابات التشريعية التي جرت في 12 أفريل 2026، وفوز حزب “تيسا”، بقيادة بيتر ماغيار، كان نقطة تحوّل حاسمة، موضحا أن الحكومة المجرية الجديدة أكثر توافقا مع السياسة الأوروبية العامة تجاه روسيا.
وأضاف مهران أن هذا التحوّل يعكس مبدأ قانونيا مهما في القانون الدولي، وهو أن تغيير الحكومات لا يؤثر على استمرارية الدولة كشخص من أشخاص القانون الدولي، لكنه يمكن أن يؤدي إلى تغيير جذري في السياسات والمواقف، مشيرا إلى أن المادة 74 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تنص على أن قطع العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية لا يؤثر على العلاقات القانونية بين الدول.
وأشار مهران إلى أن الوضع السلوفاكي أكثر تعقيدا، حيث لا يزال روبرت فيكو رئيسا للوزراء، لكنه أدرك أنه لا يمكنه الاستمرار في عرقلة قرارات الاتحاد بمفرده بعد تغيّر الموقف المجري، موضحا أن هذا يعكس واقعية سياسية تدرك أن العزلة الكاملة داخل الاتحاد الأوروبي لها تكلفة اقتصادية وسياسية باهظة.
وفيما يتعلق بتأثير استئناف ضخ النفط على وحدة الموقف الأوروبي، حذر مهران من أن هذا الاستئناف يكشف عن نقطة ضعف جوهرية في السياسة الأوروبية، موضحا أن الاتحاد الأوروبي يعاقب روسيا بيد، بينما يدفع لها المليارات مقابل الطاقة باليد الأخرى.
هذا وأضاف مهران أن هذا الوضع يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول مصداقية العقوبات، مشيرا إلى أن المادة 60 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تجيز للدولة إنهاء أو تعليق تنفيذ المعاهدة كليا أو جزئيا في حالة الإخلال الجوهري بها من الطرف الآخر، وموضحا أن العدوان الروسي على أوكرانيا يشكل إخلالا جوهريا بميثاق الأمم المتحدة.
ولفت مهران إلى أن استمرار تدفق النفط الروسي عبر دروجبا يعني عمليا أن الاتحاد الأوروبي لم يقطع جميع علاقاته الاقتصادية مع موسكو، محذرا من أن هذا قد يضعف تأثير العقوبات ويرسل رسالة مختلطة للكرملين.
وأكد أن الموافقة على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، جاءت مباشرة بعد استئناف ضخ النفط، موضحا أن هذا الربط الزمني ليس صدفة، بل يعكس صفقة سياسية واضحة: استئناف الطاقة مقابل الدعم المالي.
وأضاف أن هذا القرض الضخم يطرح تساؤلات حول مصادر تمويله وآليات سداده، مشيرا إلى أن القانون الدولي لا يمنع الدول من تقديم مساعدات مالية لدول أخرى، لكنه يشترط الشفافية والمساءلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين.
ورأى الدكتور مهران أن الاتحاد الأوروبي يعيش تناقضا قانونيا وأخلاقيا عميقا: يدعي معاقبة روسيا، بينما يعتمد على طاقتها، يدعم أوكرانيا ماليا، بينما يقيّد دعمه العسكري، ويتحدث عن الوحدة، بينما تكشف أزمة دروجبا عن انقساماته الداخلية، محذرا من أن هذه السياسة المتناقضة لن تحقق لا السلام ولا العدالة، ولن تنهي الحرب التي دخلت عامها الخامس دون أفق واضح للحل.