تقرير خروقات الاحتلال في غزة.. جرائم حرب متواصلة وإبادة بطيئة وسط صمت دولي
خاص – شهاب
تتواصل خروقات الاحتلال “الإسرائيلي” في قطاع غزة رغم مرور أكثر من ستة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يكشف وفق مختصين سياسة ممنهجة تهدف إلى تعميق المعاناة الإنسانية وفرض واقع جديد بالقوة، عبر القصف اليومي لمراكز الإيواء، وتوسيع الخط الأصفر، ومنع دخول الأدوية، وحرمان آلاف المرضى من السفر للعلاج.
ويرى خبراء قانون دولي أن هذه الانتهاكات ترتقي إلى جرائم حرب وإبادة بطيئة تستوجب تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي، ومحاسبة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.
جريمة حرب
أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، د. محمد مهران، يقول، إن استمرار خروقات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقية جنيف الرابعة وميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
ويوضح مهران، في حديثه لوكالة شهاب، أن خروقات الاحتلال تجاوزت 2400 خرق حتى منتصف أبريل 2026، أدت إلى استشهاد المئات ، مشيرًا إلى أن القصف اليومي لمراكز الإيواء يشكل جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي، التي تحظر تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الإنسانية.
ويلفت إلى أن توسيع الخط الأصفر يمثل سياسة قضم ممنهجة للأراضي الفلسطينية تحت ذرائع أمنية، وأن نسبة السيطرة “الإسرائيلية” قفزت من 53% إلى 60% من مساحة القطاع خلال شهرين فقط، بحسب مجموعة الأبحاث “تي-بوليتوغرافي”، مؤكدًا أن هذا التوسع التدريجي ينتهك اتفاقية لاهاي 1907 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية.
وفيما يتعلق بمنع إدخال الأدوية والأجهزة الطبية، ذكر مهران أن القيود “الإسرائيلية” على معبر كرم أبو سالم منعت دخول أي أدوية أو مستلزمات طبية منذ مارس 2026، بحسب منظمة الصحة العالمية، وأن نسبة النقص في أدوية الأمراض المزمنة بلغت 52%، ما يعرض آلاف المرضى للموت البطيء.
ويؤكد أن ذلك يشكل انتهاكًا للمادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم الدولة الحاجزة بالسماح بمرور جميع الإمدادات الطبية المعدة للسكان المدنيين.
إبادة بطيئة
ويتابع، مهران أن منع أكثر من 21 ألف مريض فلسطيني من السفر لتلقي العلاج خارج غزة يشكل إبادة بطيئة ومنهجية، موضحًا أن وفاة 5 مرضى يوميًا بسبب منع السفر تعني 1800 شهيد سنويًا.
ويشير إلى أن هذه السياسة تندرج تحت المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، التي تعرف الإبادة بأنها إلحاق أذى جسدي خطير بأفراد الجماعة.
ويضيف، أن محكمة العدل الدولية أصدرت في 24 مايو 2024 أمرًا ملزمًا بوقف الهجوم على رفح فورًا وفتح المعابر، لكن “إسرائيل” تتجاهل هذه الأوامر في ظل صمت دولي مريب، مطالبًا المجتمع الدولي بتفعيل آليات المساءلة الجنائية وفرض عقوبات اقتصادية فورية على الاحتلال لوقف هذه الانتهاكات الممنهجة.
إفلات من العقاب
بدوره، يقول الخبير بالقانون الدولي ومدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “أفدي” الدولية، عبد المجيد مراري، إن استمرار خروقات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، من القصف اليومي لمراكز الإيواء إلى توسيع الخط الأصفر وغيرها من الانتهاكات، يأتي نتيجة شعور الاحتلال بأنه يفلت من العقاب.
ويضيف مراري، في حديثه لوكالة شهاب، أن الاحتلال يشعر بأنه يمتلك شرعية لما يقوم به في ظل الصمت والجمود الدولي، خاصة من المؤسسات الدولية وفي مقدمتها مجلس الأمن، الذي وقف عاجزًا عن حماية الشعب الفلسطيني والمنشآت المدنية من هذه الاعتداءات والجرائم.
ويشير إلى أن هذا الصمت جعل “إسرائيل” تتصرف بمنطق الحاكم والمتمرد على القرارات الدولية، وتضرب بعرض الحائط قرارات محكمة العدل الدولية، خاصة الصادرة عام 2024 بوقف جرائم الإبادة الجماعية، إضافة إلى قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومذكرات الاعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت.
وأكد أن الاحتلال لا يبالي بكل ذلك ويواصل جرائمه وانتهاكاته، متسائلًا: لماذا يتحرك مجلس الأمن ضد دول ويفرض عليها العقوبات، بينما يقف عاجزًا أمام “إسرائيل” رغم ما ترتكبه من جرائم في المنطقة؟.
غطاء أمريكي
ويذكر أن ما يجري هو جريمة إبادة جماعية بغزة، وأن “إسرائيل” ترتكب أيضًا جريمة إبادة جماعية في لبنان، إضافة إلى استباحات السيادة الإيرانية والسورية والعراقية، ما يخلق حالة من الفوضى بالمنطقة.
ويشدد على أن الفيتو الأمريكي يوفر الغطاء السياسي الكامل لـ”إسرائيل”، ويمنحها الشرعية للاستمرار في جرائمها، معتبرًا أن المؤسسات الدولية ستظل عاجزة ما لم ترفع الولايات المتحدة قبضتها عنها.
ويبين أن واشنطن كانت أول من ضرب القرارات الدولية بعرض الحائط، وعاقبت القضاة وهددت المحامين واستهزأت بقرارات محكمة العدل الدولية، بل وتعاقب كل من يجرؤ على انتقاد “إسرائيل”، ما يجعل الاحتلال يشعر بالراحة بينما يدفع الشعب الفلسطيني الثمن.
كما ويؤكد على أن المحامين ما زالوا يتمسكون بالخيط الرفيع للعدالة، ويتوجهون إلى القضاء الدولي رغم الصمت، معبرًا عن أمله في أن يرى الجناة خلف القضبان، إحقاقًا للعدالة للشعب الفلسطيني، وإنصافًا لأطفال ونساء غزة.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تشير بيانات وزارة الصحة في غزة، إلى أنّ الخروقات والاعتداءات المتواصلة أسفرت عن استشهاد 823 شخصًا وإصابة 2,308آخرين، إضافة إلى انتشال جثامين 763 شهيدًا من تحت الأنقاض.