محمد مهران يكشف لـإسلام تايمز ما يُحاك خلف أبواب البيت الأبيض لحماية نتنياهو واستهداف المؤسسات الدولية
من الدفاع عن نتنياهو إلى استهداف المحكمة
وفي قراءة قانونية دقيقة، كشف أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران، في حديث خاص لـ”إسلام تايمز”، أن ما يقوم به نتنياهو لم يعد دفاعا عن نفسه أمام القضاء الدولي، بل أصبح مشروعا سياسيا وقانونيا يستهدف تفكيك المحكمة الجنائية الدولية من الداخل، بعد أن أخفقت إسرائيل في إسقاط اختصاصها عبر الوسائل القانونية.
وأوضح مهران أن تصريحات نتنياهو، التي اتهم فيها المحكمة بالفساد وربط إصدار مذكرتي التوقيف بحقّه وبحق وزير دفاعه السابق يوآف غالانت بما وصفه بفضائح المدعي العام السابق كريم خان، لا تحمل أي قيمة قانونية، لأن نظام روما الأساسي وضع آليات محددة للطعن في اختصاص المحكمة، وقد استنفدتها إسرائيل بالفعل، إلا أن الدائرة التمهيدية رفضت تلك الطعون بصورة متكررة، بما يعني أن الجدل القانوني قد حُسم داخل المحكمة، وأن ما يجري الآن هو محاولة لنقل المعركة من قاعة العدالة إلى ميدان السياسة والإعلام.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأنها تكشف أن الحملة على المحكمة ليست رد فعل عابرا، وإنما استراتيجية مدروسة تهدف إلى نزع الشرعية عن المؤسسة القضائية الدولية، تمهيدًا لتبرير تجاهل قراراتها وإضعاف مكانتها أمام المجتمع الدولي.
ترامب… حماية نتنياهو بأي ثمن
الأخطر في المشهد هو ما كشفه نتنياهو عن اتصال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وإبلاغه بأن واشنطن تستعد لاتخاذ إجراءات “حاسمة” ضد المحكمة الجنائية الدولية.
هذه الرسالة تعني أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بالدفاع السياسي عن إسرائيل، بل أصبحت طرفًا مباشرًا في الصراع مع القضاء الدولي.
ويشير الدكتور محمد محمود مهران إلى أن الولايات المتحدة لا تملك أي وسيلة قانونية لإلغاء مذكرات التوقيف، لأن إصدارها أو سحبها اختصاص حصري لقضاة المحكمة، وليس للمدعي العام أو لأي دولة.
مهران لـ”إسلام تايمز”: أربع أدوات للضغط يستخدمها ترامب
لكن واشنطن، بحسب مهران، تستخدم أربع أدوات رئيسية للضغط:
• فرض العقوبات على القضاة والمدعين.
• الضغط على الدول الأعضاء لعدم تنفيذ مذكرات التوقيف.
• تقليص التمويل المرتبط بالمؤسسات الدولية.
• إدارة حملة دبلوماسية لتقويض شرعية المحكمة.
وهذه الأدوات، وإن كانت قادرة على إرباك عمل المحكمة، فإنها لا تغير من الوضع القانوني لمذكرات التوقيف التي تبقى نافذة إلى حين صدور قرار قضائي بإلغائها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالدولة التي تقدم نفسها بوصفها راعية للنظام الدولي القائم على القانون، تتحول إلى أول من يعاقب القضاة الدوليين عندما تمس قراراتهم أحد أقرب حلفائها.
الكيل بمكيالين… الوجه الحقيقي للنظام الدولي
إن الأزمة الحالية تعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا حول مدى حياد النظام الدولي. فالولايات المتحدة والدول الغربية لم تتردد في دعم ملاحقة مسؤولين من دول عديدة أمام المحاكم الدولية، بل مارست ضغوطًا واسعة لتنفيذ أوامر الاعتقال بحقهم، لكنها عندما وصل الأمر إلى مسؤولين إسرائيليين، انقلب المشهد بالكامل.
وباتت المحكمة نفسها متهمة، والقضاة مستهدفين بالعقوبات، والمدعون العامون عرضة لحملات التشويه، في وقت تُمارس فيه ضغوط على الدول الأعضاء لمنع تنفيذ مذكرات التوقيف.
هذه الازدواجية لا تعكس مجرد اختلاف في المواقف السياسية، وإنما تمثل ضربة مباشرة لمبدأ المساواة أمام القانون، وهو المبدأ الذي قامت عليه العدالة الدولية منذ تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية.
ضرب المؤسسات الدولية
ولا تقتصر التداعيات على المحكمة الجنائية الدولية وحدها، بل تمتد إلى مجمل المؤسسات الدولية. فعندما تستخدم دولة كبرى نفوذها المالي والسياسي لمعاقبة قضاة دوليين بسبب قراراتهم، فإن الرسالة الموجهة إلى العالم واضحة: استقلال المؤسسات الدولية يبقى مقبولًا فقط عندما لا يتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
ومن هنا، فإن استهداف المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن فصله عن الضغوط التي تعرضت لها مؤسسات أممية أخرى خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر تقليص التمويل أو تعطيل القرارات أو استخدام حق النقض لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية.
إنها سياسة ممنهجة تؤدي في النهاية إلى إضعاف النظام الدولي القائم على القواعد، وإحلال منطق القوة محل القانون.
ويختتم الدكتور محمد محمود مهران رؤيته بتأكيد بالغ الأهمية، مفاده أن القضية تجاوزت شخص نتنياهو أو حتى المحكمة الجنائية الدولية، وأصبحت اختبارًا وجوديًا للعدالة الدولية بأسرها.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت المحكمة قادرة على إصدار مذكرات توقيف، وإنما ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا لتنفيذها عندما يتعلق الأمر بحليف يتمتع بحماية أمريكية كاملة.
فإذا بقيت المذكرات دون تنفيذ بفعل الضغوط السياسية، فإن ذلك سيكرس سابقة خطيرة تعني عمليًا أن العدالة الدولية تطبق على الضعفاء فقط، بينما يتمتع الأقوياء وحلفاؤهم بحصانة سياسية تتجاوز القانون.
لقاء ترامب ونتنياهو يمثل أكثر من مجرد اجتماع سياسي، فهو يكشف عن صراع عميق بين إرادة فرض القانون الدولي وإرادة إخضاعه لموازين القوة. وما قدمه الدكتور مهران في حديثه لـ”إسلام تايمز” يضع هذا الصراع في إطاره القانوني الصحيح، موضحا أن المعركة لم تعد تدور حول شرعية مذكرات التوقيف، بعدما حُسمت قانونيًا، وإنما حول قدرة المؤسسات الدولية على الصمود أمام الضغوط السياسية والمالية التي تمارسها القوى الكبرى.
وانطلاقا من ذلك فإذا نجحت الضغوط الأمريكية في حماية نتنياهو وإفراغ قرارات المحكمة من مضمونها، فإن العالم سيكون أمام سابقة تهدد مبدأ المساءلة الدولية، وتؤكد أن سياسة الكيل بمكيالين لا تستهدف خصوم الغرب فحسب، بل تمتد لتقويض المؤسسات التي أُنشئت أصلًا لحماية العدالة، عندما تصبح هذه العدالة غير منسجمة مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.