مجلس الأمن لا يفرض حلاً بشأن الصحراء الغربية وعلى المغرب احترام تقرير المصير

0


في الوقت الذي أثار فيه قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بشأن المغرب والصحراء الغربية لغطًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، أجرى موقع “الجمهور” حوار مع الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، ليكشف من خلاله عن حقائق قانونية وتاريخية حاسمة تضع النقاط على الحروف في هذه القضية المعقدة التي استمرت لنصف قرن دون حل، وإليك نص الحوار.
 

الدكتور محمد محمود مهران
الدكتور محمد محمود مهران

ماذا يعني قرار مجلس الأمن بالنسبة السيادة المغربية؟

هناك مغالطات عديدة أصابت فهم قرار مجلس الأمن الذي صدر مؤخرًا، فالمجلس لم يفرض حلًا نهائيًا بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما فهم البعض، وإنما دعا إلى استمرار المفاوضات بين أطراف النزاع في إطار مقترح المغرب لعام 2007 أو أي إطار سلمي آخر يتوافق مع القانون الدولي.

القرار الأممي نص على ضرورة التفاوض دون شروط مسبقة، وهو ما يعني أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة على طاولة المفاوضات، بما في ذلك الاستفتاء الذي يطالب به الشعب الصحراوي منذ عقود، وأن أي حل لا يحترم القانون الدولي وحق تقرير المصير لن يكون مستداما ولن يحقق السلام والاستقرار المنشودين في المنطقة.

ومجلس الأمن جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصارًا بمينورسو، لمدة عام آخر حتى أكتوبر 2026، وهو ما يؤكد أن المجتمع الدولي لا يزال يعتبر القضية تمس الأمن والسلم الدوليين بالمنطقة ، وأنه يجب الوصول الي حل عاجل.

أما بالنسبة لمحكمة العدل الدولية أصدرت فتوى تاريخية عام 1975 انتهت فيها إلى أنه لم تكن هناك سيادة إقليمية للمغرب على هذا الإقليم، ولم يكن للمملكة المغربية أو موريتانيا روابط قانونية من شأنها أن تؤثر على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

ما جوهر النزاع القائم؟

ولفهم جوهر النزاع، لابد أن نوضح أن إقليم الصحراء الغربية يقع على الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا بجوار المملكة المغربية الشقيقة، وهو موطن للمواطنين الصحراويين الذين تمثلهم جبهة البوليساريو التي تأسست عام 1973 كحركة تحرر وطني، وكانت هذه المنطقة تحت الاحتلال الإسباني منذ نهاية القرن التاسع عشر، حيث سيطرت إسبانيا على ما عرف بالصحراء الإسبانية حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

وعندما قررت إسبانيا الانسحاب من الإقليم عام 1975 في سياق موجة إنهاء الاستعمار التي شهدها العالم آنذاك، نشب النزاع بين أطراف عدة حول مستقبل هذه المنطقة الغنية بالفوسفات والثروات الطبيعية، فقد أعلن كل من المغرب وموريتانيا عن روابط تاريخية تربطهما بالإقليم، فيما طالبت جبهة البوليساريو بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره واختيار مستقبله بحرية عبر استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة.

من هنا اندلع الصراع الذي لا يزال مستمرا حتى اليوم، حيث نظم المغرب ما عرف بالمسيرة الخضراء عام 1975 ودخلت القوات المغربية والموريتانية الإقليم، لكن موريتانيا انسحبت عام 1979 بعد اتفاق مع جبهة البوليساريو، فيما واصل المغرب سيطرته على حوالي سبعين بالمائة من الإقليم، بينما تسيطر جبهة البوليساريو على الثلاثين بالمائة المتبقية في المناطق الداخلية.

ما  الوضع القانوني للإقليم في المحاكم الدولية؟

محكمة العدل الدولية عندما طلبت منها الجمعية العامة للأمم المتحدة إصدار رأي استشاري حول الوضع القانوني للإقليم عام 1975، خلصت في فتواها إلى نتائج حاسمة لا تزال تشكل المرجعية القانونية الأساسية للنزاع حتى اليوم، وأجابت المحكمة على سؤالين رئيسيين: الأول هل كانت الصحراء الغربية أرضًا خالية عند الاستعمار الإسباني، والثاني ما هي الروابط القانونية التي كانت تربط الإقليم بالمغرب وموريتانيا.

وجاءت إجابة المحكمة واضحة وحاسمة بأن الإقليم لم يكن أرضًا خالية، وأنه رغم وجود بعض روابط الولاء التاريخية بين بعض القبائل الصحراوية والسلطان المغربي، إلا أن هذه الروابط لا ترقى إلى مستوى السيادة الإقليمية، وبالتالي لا تؤثر على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفقا للقانون الدولي وقرار الجمعية العامة رقم 1514 لعام 1960 الخاص بمنح الاستقلال البلدان و للشعوب وانهاء اي استعمار.

ومحكمة العدل الأوروبية أكدت هذا المنظور القانوني في أحكام حديثة صدرت في السنوات الأخيرة، حيث أبطلت اتفاقيات أبرمها الاتحاد الأوروبي مع المغرب تتعلق بالصيد البحري والزراعة في مناطق الصحراء الغربي، مستندة في قرارها إلى أن هذه الاتفاقيات تم إبرامها دون الحصول على موافقة الشعب الصحراوي صاحب الحق الأصيل في الإقليم، وأن القانون الدولي يوجب استشارة الشعوب المعنية قبل استغلال مواردها الطبيعية، خاصة في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والخاضعة لعمليات إنهاء الاستعمار.

الموقف الدولي من قرار مجلس الأمن؟

وبعض الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، فيما تواصل دول أخرى مثل الجزائر وروسيا والصين وجنوب أفريقيا والعديد من الدول الأفريقية والأمريكية اللاتينية دعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير عبر استفتاء حر ونزيه، وأن هذا الانقسام في المواقف الدولية يعكس تعقيد القضية وصعوبة التوصل إلى حل توافقي يرضي جميع الأطراف.

هل هناك أزمة إنسانية ناتجة عن هذا الصراع؟

يجب على جميع الأطراف المعنية، العودة إلى طاولة المفاوضات بحسن نية، والعمل على التوصل إلى حل توافقي يحترم القانون الدولي ويحقق تطلعات الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مع مراعاة المصالح المشروعة لجميع دول المنطقة، وأن القول بفرض حل أحادي الجانب أو تجاهل المرجعيات القانونية الدولية لن يؤدي إلى حل الأزمة، بل سيديم حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها المنطقة منذ نصف قرن.

هناك آلاف اللاجئين الصحراويين لا يزالون يعيشون في مخيمات باقليم تندوف الجزائري منذ منتصف السبعينيات، في انتظار حل نهائي يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم أو تقرير مصيرهم بحرية، وهذا الوضع الإنساني الصعب يتطلب من المجتمع الدولي مضاعفة الجهود للتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة تنهي معاناة هؤلاء اللاجئين وتحقق الاستقرار والأمن في منطقة شمال أفريقيا والساحل الأفريقي.





Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.