الأصول المجمدة والتعويضات.. الملف الذي يهدد مستقبل المفاوضات بين طهران وواشنطن


في ظل استمرار التباين بين طهران وواشنطن، حول ملفات جوهرية تتعلق بالعقوبات والأموال المجمّدة والتعويضات، يزداد الحديث عن صعوبة التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين، خاصة مع تمسك كل طرف بشروطه الأساسية ورفضه تقديم تنازلات واضحة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، لـ”الأيام نيوز”، أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة والتعويضات المالية أصبح اليوم أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرا إلى أن هذا الملف يمثل نقطة خلاف جوهرية قد تحدد مصير أي تفاهم محتمل بين الطرفين.

وأوضح الدكتور مهران أن مصادر مطلعة على ملف التفاوض الإيراني، كشفت تمسك طهران بالحصول على الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من أصولها المجمدة كجزء أساسي من أي مذكرة تفاهم مستقبلية. وفي المقابل، أشار محمد مهران إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أبلغ مستشاريه بشكل واضح رفضه التوقيع على أي اتفاق يتضمن تقديم أموال مباشرة لإيران، وذلك لتجنب المقارنات السياسية مع الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015.

ورأى مهران أن التناقض الظاهر بين الموقفين لا يعني بالضرورة استحالة التوصل إلى تسوية، موضحاً أن القانون الدولي يتيح العديد من الصيغ الوسطية التي يمكن أن تشكل مخرجاً للطرفين. وأضاف أن بعض التقارير الإعلامية الأمريكية تحدثت عن مقترحات يجري تداولها داخل دوائر التفاوض، من بينها قيام دول وسيطة، مثل قطر، بالإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، بما يسمح لطهران بالاستفادة منها دون أن تظهر الولايات المتحدة بمظهر الطرف الذي يقدم أموالا مباشرة لإيران.

وأشار أستاذ مهران إلى وجود مقترح آخر يتمثل في رفع التجميد عن جزء من الأصول الإيرانية مع فرض قيود على أوجه استخدامها، بحيث تقتصر على الأغراض الإنسانية كشراء الأدوية والمواد الغذائية والمستلزمات الأساسية، وهو خيار قد يحظى بقبول نسبي لدى الجانبين باعتباره يحقق مكاسب متبادلة دون تقديم تنازلات سياسية كبيرة.

وأوضح الدكتور محمد مهران أن ملف الستة مليارات دولار يمثل حالة خاصة داخل قضية الأموال المجمدة، لافتاً إلى أن هذه الأموال كانت قد أُفرج عنها عام 2023 في إطار صفقة لتبادل السجناء بين واشنطن وطهران، قبل أن يتم تجميدها مجدداً بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض. وأكد أن هذه القضية تجاوزت البعد المالي لتتحول إلى قضية مرتبطة بالثقة والمصداقية بين الطرفين، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد التفاوضي.

كما شدد الدكتور مهران على أن الموقف الإيراني يستند إلى أسس قانونية تستمد مشروعيتها من اتفاقيات الجزائر الموقعة عام 1981، والتي أرست إطارا قانونيا لمعالجة النزاعات المالية بين البلدين وأسست للمحكمة الإيرانية الأمريكية للمطالبات. وأضاف أن هذه الاتفاقيات كرست مبدأ حق إيران في المطالبة باسترداد أصولها المحتجزة وفقا لأحكام القانون الدولي.

وأشار الدكتور مهران إلى أن واشنطن صادرت، خلال الفترة الماضية، أكثر من مليار دولار من الأصول الإيرانية، وهي خطوة أثارت استياءً واسعاً لدى طهران وأدت إلى زيادة منسوب التوتر داخل مسار التفاوض. وأوضح أن قواعد مسؤولية الدولة في القانون الدولي، كما وردت في مواد لجنة القانون الدولي لعام 2001، تنص على التزام الدول بتقديم تعويض كامل عن الأضرار الناتجة عن الأفعال غير المشروعة دولياً، معتبراً أن تجميد الأصول دون سند قانوني دولي واضح قد يفتح الباب أمام مسؤولية قانونية دولية.

وأكد الدكتور محمد مهران أن الطريق لا يزال صعبا لكنه ليس مغلقا، موضحا أن غياب وثيقة رسمية مكتوبة تحدد ما تم التوافق عليه، إلى جانب التباين المستمر في التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين، يعكس هشاشة العملية التفاوضية أكثر مما يعكس انهيارها الكامل.

وأضاف أن الضغوط الاقتصادية والسياسية المتبادلة قد تدفع الطرفين في النهاية إلى البحث عن حلول وسط، مشيرا إلى أن إيران تواجه تحديات اقتصادية كبيرة نتيجة الأضرار التي لحقت بقطاعها النفطي، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية متزايدة، خاصة بعد تصويت الكونغرس على إجراءات تحد من صلاحيات الرئيس في القضايا المرتبطة بالحرب والتصعيد الخارجي.

وأكد الدكتور مهران، في تصريحه، على أن الصيغة الأكثر واقعية وقابلية للتحقق تتمثل في الإفراج التدريجي عن جزء من الأصول الإيرانية لاستخدامها في الأغراض الإنسانية، مقابل التزام إيراني بخفض مستويات تخصيب اليورانيوم تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. واعتبر أن مثل هذه التسوية قد توفر مخرجاً يحفظ ماء الوجه للطرفين، مؤكداً أن القانون الدولي يوفر آليات متعددة للحل، من بينها الوساطة والتحكيم الدولي، غير أن العامل الحاسم يبقى مرتبطا بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين لإنجاز اتفاق مستدام.

 

 



Source link

Comments are closed.