صدور مذكرات اعتقال دولية بحق قادة الدعم السريع قريبًا| حوار

0


أكد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، أن اتهام نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان لميليشيا  الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الفاشر يمثل تطوراً قانونياً مهماً، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين مرحلة الاتهام والتحقيق التي نحن فيها الآن وبين مرحلة الإدانة القضائية التي تتطلب محاكمة كاملة، مؤكدًا صدور مذكرات اعتقال بحق قادة الدعم السريع قريبًا.

الدكتور مهران قال في حوار مع «إيجبتك»، إن مكتب المدعي العام للجنائية الدولية خلص إلى أن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر استناداً إلى تحقيقات مكثفة وأدلة دامغة، موضحاً أن هذا يختلف قانونياً عن الإدانة القضائية التي لا تصدر إلا من المحكمة نفسها بعد محاكمة كاملة للمتهمين.. وإلى نص الحوار: 

 

■كيف ترى إدانة الجنائية الدولية لجرائم الدعم السريع في الفاشر؟
 

 مكتب المدعي العام قدم أدلة قوية جداً تشمل مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية تُظهر عمليات قتل جماعي ومحاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية، وصور الأقمار الصناعية التي حللتها وكالات دولية وجامعة ييل الأمريكية أظهرت آثاراً لقبور على مساحة 3600 متر مربع وأكواماً تتوافق مع جثث بشرية.

شهادات الناجين من معركة الفاشر تحدثت عن استهداف ممنهج للمدنيين أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً واسع النطاق، مؤكداً أن هذا النمط من الجرائم يرقى بوضوح إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية وفقاً لنظام روما الأساسي.

 مكتب المدعي العام خلص إلى أن ارتكاب هذه الجرائم يمثل المرحلة الأولى في مسار العدالة الجنائية الدولية، والمرحلة التالية هي طلب المدعي العام من الدائرة التمهيدية في المحكمة إصدار مذكرات اعتقال بحق المسؤولين عن هذه الجرائم، ثم يأتي اعتقال المتهمين ومحاكمتهم، وأخيراً صدور حكم إدانة أو براءة.

 

■هل هذه الإدانة ستساهم في تصنيف الميليشيا منظمة إرهابية؟
 

 هناك فرق جوهري بين الاتهام بجرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية وبين التصنيف الإرهابي، والتصنيف الإرهابي قرار سياسي تتخذه الدول بشكل فردي أو الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن، بينما الاتهام الجنائي إجراء قضائي دولي.

 التحقيقات الدولية خلصت إلى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية سيعزز بقوة من الضغوط الدولية على الدول لتصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية، ووجود تحقيقات جنائية دولية موثقة بأدلة قوية يوفر أساساً قانونياً متيناً للدول التي ترغب في اتخاذ هذه الخطوة.

 

■هل ستصدر مذكرات اعتقال بحق قادة الدعم السريع؟
 

 

نائبة المدعي العام أكدت في إحاطتها أن الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروعة لجريمة منظمة واسعة النطاق تشمل عمليات إعدام جماعية واستخدام الاغتصاب كأداة حرب، وهو ما يوفر الأساس القانوني لطلب إصدار مذكرات اعتقال.

 المدعي العام سيحتاج لإثبات أمام الدائرة التمهيدية أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن الأشخاص المطلوبين قد ارتكبوا الجرائم، وأن الاعتقال ضروري لضمان مثولهم أمام المحكمة أو لمنع استمرار ارتكاب الجرائم، والأدلة المتوفرة حالياً تبدو كافية لتلبية هذه المعايير.

 نائبة المدعي العام حذرت في إحاطتها من أن الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور، وهو ما يعني أن هناك نمطاً ممنهجاً من الجرائم وليس حوادث معزولة، مما يعزز من الأساس القانوني لإصدار مذكرات الاعتقال.

المحكمة الجنائية الدولية لديها اختصاص قانوني واضح بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 الصادر عام 2005 الذي أحال الوضع في دارفور للمحكمة، مؤكداً أن هذا الاختصاص يشمل جميع الأطراف المتورطة في النزاع بغض النظر عن انتماءاتها.

لكنه حذر من أن إصدار مذكرات الاعتقال شيء وتنفيذها شيء آخر تماماً، موضحاً أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك قوة شرطة خاصة وتعتمد كلياً على تعاون الدول الأعضاء في اعتقال المطلوبين، مشيراً إلى أن قادة الدعم السريع يتنقلون حالياً بحرية في بعض الدول الإقليمية، وأن نجاح المحكمة في اعتقالهم يعتمد على مدى التزام هذه الدول بالتعاون.

 ملف دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية يمتد لأكثر من عقدين من الزمن، حيث أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في دارفور للمحكمة عام 2005 عبر القرار رقم 1593 بعد موجة العنف الدموية التي بدأت عام 2003 عندما قمعت حكومة عمر البشير تمرداً مسلحاً في الإقليم بدعم من ميليشيات الجنجويد، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتهجير ملايين آخرين، وهو ما ترتب عليه اصدار المحكمة عام 2009 مذكرة اعتقال تاريخية بحق الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم أضافت عام 2010 تهمة الإبادة الجماعية، لتصبح أول مذكرة اعتقال دولية بحق رئيس دولة في منصبه.

 أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق وزيرين سابقين هما أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، لكن لم يتم تسليم أي منهم للمحكمة رغم مرور أكثر من 15 عاماً، وفي تطور مهم، أدانت المحكمة في أكتوبر 2025 علي محمد علي عبد الرحمن، القيادي في ميليشيا الجنجويد، في أول إدانة قضائية فعلية تصدرها المحكمة بشأن جرائم دارفور بعد عقدين من التحقيقات، لافتا إلى أن النزاع الحالي الذي اندلع في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع «الوريث المباشر لميليشيات الجنجويد» أعاد المأساة ذاتها إلى دارفور، والتقديرات الأممية تشير إلى مقتل ما بين 10 إلى 15 ألف شخص في مدينة الجنينة وحدها عام 2023 معظمهم من قبيلة المساليت، وهو ما يعني أن جرائم الإبادة الجماعية قد تتكرر بعد عقدين من الإفلات من العقاب.

تجديد نائبة المدعي العام دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد المطلوبين للمحكمة وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير وأحمد هارون، وتسليم هؤلاء المطلوبين سيكون خطوة مهمة في مكافحة الإفلات من العقاب.

 

■هل من الممكن أن يتم إدانة دول  داعمة للدعم السريع؟
 

 

المجتمع الدولي دعا إلى الضغط على الدول التي تستضيف أو تدعم قادة الدعم السريع للالتزام بتعاون كامل مع المحكمة الجنائية الدولية، لأن حماية مجرمي الحرب تجعل الدول المضيفة متواطئة أخلاقياً في الجرائم المستمرة.

 ما أعلنته نائبة المدعي العام اليوم يمثل خطوة حاسمة نحو المحاسبة، لكن الطريق نحو العدالة الفعلية لا يزال طويلاً ويتطلب إرادة سياسية دولية حقيقية لاعتقال المتهمين وتقديمهم للمحاكمة، والشعب السوداني يستحق العدالة وأن المجتمع الدولي مطالب بعدم التخلي عن هذه المسؤولية التاريخية.





Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.